المقدمة
مع الانتشار الواسع للذكاء الاصطناعي، لطالما تساءلت كيف يمكننا جعل الذكاء الاصطناعي أكثر فعالية في مجالات عملنا، كلٌ حسب تخصصه.
وبما أن تخصصي يتمحور حول إدارة المشاريع في القطاع غير الربحي، فسأتناول هذا الجانب، وسينبع حديثي من تجربة واقعية بعيداً عن الطرح النظري.
وستستند التجربة إلى ثلاث محاور رئيسية:
الاستخدام السابق: كيف كنت أوظف الذكاء الاصطناعي؟
الاستخدام الحالي: كيف أصبحت أستعمله الآن؟
الاستخدام المستقبلي: ما الذي أطمح لتحقيقه؟
قبل أن نتطرق إلى الاستخدام العملي، لا بد أن نعرج على مبادئ أخلاقيات الذكاء الاصطناعي كما أوضحتها سدايا في كتاب "مبادئ أخلاقيات الذكاء الاصطناعي"
أخلاقيات الذكاء الاصطناعي
ويمكننا تلخيص أهمها والذي يخدم مجالنا في النقاط التالية:
النزاهة والإنصاف: يتوجب على مطور الذكاء الاصطناعي عند تصميم أو جمع أو تطوير أو نشر أو استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي، اتخاذ الإجراءات الضرورية للتأكد من عدم التحيز أو التمييز أو التنميط و الحد منها لدى المستفيدين أو المستخدمين للنظام المبتكر.
الخصوصية والأمان: حماية سرية بيانات الأفراد الشخصية، ومعايير الأمن السيبراني ذات الصلة؛ بهدف منع الوصول غير المصرح به إلى البيانات والنظام، مما قد يؤدي إلى الإضرار بالسمعة أو الأضرار النفسية أو المالية أو المهنية.
الإنسانية: ضرورة بناء أنظمة الذكاء الاصطناعي باستخدام منهجية عادلة وأخلاقية تستند إلى حقوق الإنسان والقيم الثقافية الجوهرية.
كما تطرق الكتاب إلى مبدأ "الفوائد الاجتماعية والبيئية، والموثوقية والسلامة، والشفافية والقابلية للتفسير، والمساءلة والمسؤولية". يمكن الرجوع إلى الكتاب للاستفادة منها.
وأضفت على هذه المبادئ ما تعلمته من المهندس حسن فلاتة، الخبير في مجال الذكاء الاصطناعي ومؤسس برنامج تاجر حكيم لليافعين، أنصحكم بتسجيل أبنائكم فيه.
مبدأ: الفكر يسبق الأداة
لا نسمح للذكاء الاصطناعي بتوجيه تفكيرنا وتشكيلنا حسب رغبته، بل نعمل عقولنا ونفكر مرارًا وتكرارًا، ثم نستعين بالذكاء الاصطناعي في تطوير الفكرة وتوسيعها وإخراجها، أو تحويلها إلى منتج أو موقع أو منصة أو صفحة إلكترونية..إلخ.
ومن الجدير بالذكر أنني بدأت بذكر مبادئ الذكاء الاصطناعي لأن الحاجة إليها ستتضح جليًا عند سرد تجربتي في الاستخدام الراهن للذكاء الاصطناعي، حيث تطور الاستخدام من الاقتصار على الذكاء الاصطناعي التوليدي (المتخصص في صياغة المحتوى بجميع أنواعه) إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في إنشاء المواقع والمنصات ودمجه مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، وحتى لا نطيل، سننتقل مباشرة إلى عرض التجربة بمراحلها الثلاث.
المرحلة الأولى: الاستعمال السابق للذكاء الاصطناعي
من المعروف أن الذكاء الاصطناعي ليس أمرًا مستحدثًا، ويُقال إن بداياته الأولى كانت في عام 1956 ثم أخذ في التطور تدريجيًا واقتصرت معرفته على المتخصصين.
وفي عام 2022 ومع ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي الأول -حسب علمي- ChatGPT، انتشر انتشارًا واسعًا بين المتخصصين والعامة ودخل في كافة المجالات وانتقل من مجرد كونه ظاهرة حديثة إلى ثورة للذكاء الاصطناعي في العصر الحديث تمامًا كالثورات الصناعية الأولى والثانية والثالثة والرابعة.
وإلى جانب الزخم الإعلامي الكبير الذي حظي به، أصبح من الضروري لأصحاب الأعمال أن يتبنوه، حتى من دون وجود منهجية أو طريقة واضحة لاستخدام ChatGPT في أوائل ظهوره، يجب عليك أن تجتهد وتستعمله بأي وسيلة كانت، كي لا تتأخر عن أقرانك وتتخلف عن مواكبة السوق. ومن خلال تخصصي في إدارة المشاريع، لم أجد طريقة لاستخدامه سوى في قسم الإطار النظري عند إعداد وثيقة المشروع.
تعريف الإطار النظري: هو أحد المكونات الأساسية في وثيقة المشروع ويحتوي على: الملخص التنفيذي، الوصف، الأهداف، المبررات، القيمة المضافة، الأثر، النتائج والمخرجات، مؤشرات الأداء، إلخ.
فبدلاً من كتابة الإطار النظري مباشرة وبشكل يدوي، أصبحت أزود ChatGPT بالفكرة التي لدي وهنا نستحضر مبدأ "التفكير يسبق الأداة" ثم يقوم ChatGPT بإعادة صياغتها وتحسينها، وبنفس الأسلوب في الخطابات والمراسلات الداخلية والخارجية وما إلى ذلك، واختصر علي ساعات من العمل إلى دقائق معدودة، واستمررت على هذه الطريقة عاماً كاملاً من عام 2024م إلى عام 2025م.
المرحلة الثانية: الاستعمال الراهن للذكاء الاصطناعي
مع تزايد أدوات الذكاء الاصطناعي وتعدد أوجه الاستخدام، أدرك العالم مدى تأثير الذكاء الاصطناعي في تعزيز الإنتاجية وتحسين المنتجات والمخرجات وتسريعها وتقليص التكاليف، وتجلت هذه الأهمية في المملكة العربية السعودية عبر تسمية عام 2026 بعام الذكاء الاصطناعي، هذه التسمية توضح لنا أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد ظاهرة عابرة وليس مجرد أخبار متداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بل هو محرك للتنمية، وقائد لعجلة التطور في العصر الحديث.
وهذا ما أثار لدي تساؤلاً، هل الذكاء الاصطناعي هو ما أستخدمه حالياً من توليد النصوص وإعادة صياغتها والتدقيق الإملائي؟
لابد أن يكون الأمر أوسع وأشمل من ذلك بكثير، فمجالات الذكاء الاصطناعي عديدة ومتنوعة ومن أبرزها: بناء التطبيقات والمنصات والمواقع وصفحات الهبوط والمتاجر الإلكترونية، وبناء وكلاء الذكاء الاصطناعي، وتحليل ومعالجة البيانات الضخمة. كما يمكن تسخيره وتكييفه بحسب التخصصات والقطاعات. ولنركز على تخصص إدارة المشاريع التنموية، كيف ندمج الذكاء الاصطناعي فيه؟
ذكرت سابقاً بأن استخدامي له اقتصر على قسم الإطار النظري ولا زلت مستمراً في ذلك ولكني انتقلت إلى استعمال Klaude بدلاً من ChatGPT لكون خياراته ومميزاته تفوقت على ChatGPT. -رأي-
أنشأت منصة عن طريق Lovaple لإدارة المنظمة التي أعمل بها بكامل أقسامها ومنها إدارة المشاريع، فأصبحنا ندير مشاريعنا من كون المشروع فكرة إلى أن يصل إلى مرحلة الإغلاق بطريقة سلسة وعبر رسوم بيانية (جانت - مخطط الشبكة) تُظهر التقدم وتقارن بين ما تم تنفيذه وما هو مخطط، وأجمل ما في المنصة أننا نكيفها ونبرمجها بحسب احتياجنا، وهذا التحول الرقمي جعلنا نستغني عن مقدمي خدمات أنظمة إدارة المنظمات غير الربحية مثل رافد.
أما في جانب التصاميم فمع تطور الأدوات أصبحت جميع التصاميم البسيطة والصور والعروض التقديمية يتم إنشاؤها عن طريق أدوات الذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT و Manus و Gamma و Canva، مما جعلنا نستغني عن مقدمي خدمات التصميم.
وفي هذا الصدد نستحضر أخلاقيات ومبادئ استخدام الذكاء الاصطناعي، فعندما بنيت المنصة لإدارة أعمال الوقف بجميع أقسامها وتم اعتمادها من الإدارة أصبح استخدام المنصة من قبل الموظفين بنسبة 85% وهنا لابد أن تراعي المنصة مبدأ النزاهة والإنصاف في إسناد المهام وتوزيع الصلاحيات، والشفافية في التعاملات الداخلية، كما لابد أن يشعر المستخدمون للمنصة بالخصوصية والأمان لبياناتهم التي يشاركونها، ويجب ألا نغفل عن الجانب الإنساني (أنسنة العمليات والإجراءات) كوننا نتعامل مع بشر وليس آلات.
المرحلة الثالثة: الاستعمال المستقبلي للذكاء الاصطناعي
بات من المعروف أن التنافس بين الشركات المنتجة لأدوات الذكاء الاصطناعي يشتد ضراوة، ففي السابق كانت التحديثات شهرية، فلا نسمع إلا بين الحين والآخر أن أداة جديدة قد برزت وأخرى قد تفوقت، ولكن الآن نشهد التحديثات والأخبار عما هو مستجد بشكل يومي.
ولم يعد الهدف الآن هو تفعيل الذكاء الاصطناعي فحسب، بل أن نحلل أعمالنا ونكتشف المشكلات والنقاط التي يمكن أن يسهم الذكاء الاصطناعي في حلها أو تطويرها أو تسريعها.
وبالنظر إلى وفرة الأدوات وتعدد إمكانياتها، فقد اتسعت مساحة الإبداع والابتكار لمديري المشاريع، فعلى سبيل المثال: لنفترض أنك ستقود مشروع تمكين وتأهيل لفئة معينة من المجتمع، فمساحة الابتكار والإبداع في ذلك أن تنشئ منصة لإدارة العملية التدريبية ومتابعة دقيقة بمساعدة تقنيات الذكاء الاصطناعي لكل متدرب، وإمكانية إدارة جميع عمليات المشروع من عمليات التسجيل والمواد التدريبية والمدربين والبرامج المصاحبة وفريق العمل وغيرها، بحيث يصبح كل شيء مرئياً أمامك كمدير للمشروع.
مثال آخر: لنفترض أنك تدير مشروعاً لإفطار الصائمين في الحرم المكي، ووحدهم من خاضوا التجربة يدركون حجم التعقيد الإداري واللوجستي في مثل هذه المشاريع، خصوصاً إذا كان عدد الوجبات خلال الشهر يناهز 500,000 وجبة وسقيا. ماذا لو كانت العمليات التالية (التسويق لجمع التبرعات، تسجيل وتدريب فريق العمل، التعاقدات مع الموردين، التقارير اليومية المرئية والمطبوعة، الكميات اليومية والتحديثات المستمرة وربط المخطط بالفعلي في الميدان... إلى آخره.) يمكن إدارتها بطريقة سلسة ومتكاملة ومرئية عن طريق إنشاء منصة بالذكاء الاصطناعي بأقل التكاليف؟
مثال أخير: كمدير مشاريع، ألا تتمنى أن تظهر أمامك جميع مشاريع المنظمة في لوحة معلومات مرئية (Dashboard) تُحدث من فريق العمل، وتنبهك بأهم ما يحدث في كل مشروع، وتعطيك تقارير تلقائية وتوصيات وتنبيهات وتتبع المخاطر والفرص؟ كل ذلك لم يعد حلماً أو مكلفاً، فقد تغيرت المعادلة مع وجود تقنيات الذكاء الاصطناعي، فمن لم يتقدم يتقادم.
وصور الإبداع والابتكار في إدارة المشاريع عديدة، وكلما ازداد علمك بالذكاء الاصطناعي ومنهجيات إدارة المشاريع، كلما اتسعت آفاقك في هذا الصدد.
شاركني تجربتك في استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليقات
أعجبك المقال؟ شاركه مع أصدقاء المهنة ولاتنس الاشتراك في النشرة البريدية لتبق على اطلاع دائم بكل جديد
